Monday, 7 July 2008

Interview with Ilan Pappe and Noam Chomsky (translated to Arabic)

مع المفكران الشهيران أيلان بابي وناعوم تشومسكي حول مستقبل إسرائيل وفلسطين

Publication_date:
الجمعة يوليو 4 2008


واشنطن - تلقي المقابلة التالية ضوءاً على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي كما يراه اثنان من كبار المفكرين والمهتمين العالميين بهذا الشأن. أيلان بابي، هو مؤلف كتاب "التطهير العرقي في فلسطين" الذي أثار الكثير من الضجة، والمفكر الآخر هو ناعوم تشومسكي، العالم اللغوي الشهير الذي كتب الكثير من النقد للدولة العبرية. وقد أجرى هذه المقابلة الصحافي فرانك بارات ونشرت في صحيفة "كاونتربنتش" مؤخراً.
* بارات: شكراً على قبولكما إجراء هذه المقابلة. أود أولاً أن أسأل إن كنتما تعملان على شيء في الوقت الراهن ترغبان أن نعرف عنه؟
- أيلان بابي: إنني أعمل على إنجاز عدة كتب. الأول تأريخ دقيق للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وآخر حول الأقلية الفلسطينية في إسرائيل، وثالث عن اليهود العرب. وأنا أعمل أيضاً على استكمال مجلد يقارن الوضع في جنوب إفريقيا بالوضع في فلسطين.
** ناعوم تشومسكي: أنا منخرط بنفس الطيف من المقالات والأحاديث، إلخ.. إذ ليس لدي الوقت للعمل على مشاريع رئيسة في الوقت الراهن.

* بارات: قال عضو برلمان بريطاني مؤخراً إنه شعر بتغير خلال السنوات الخمس الأخيرة فيما يتعلق بإسرائيل. ويقوم أعضاء البرلمان البريطانيون في هذه الأيام بتوقيع وثيقة تدين إسرائيل بأعداد أكبر مما كان عليه الوضع أبداً من قبل، وقال لنا البرلماني أنه أصبح من الأسهل الآن التعبير عن الانتقاد اتجاه إسرائيل، حتى لدى التحدث في حرم الجامعات الأميركية؟

أيضاً، وفي الأسابيع القليلة الماضية، قال جون دوغارد، وهو محقق مستقل في شأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يعمل لصالح مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، قال إن "الإرهاب الفلسطيني هو نتيجة حتمية للاحتلال"، وقد تبنى الاتحاد الأوروبي قراراً يقول إن "سياسة عزل قطاع غزة قد فشلت على المستويين السياسي والإنساني"، ودان الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة استخدام إسرائيل المفرط وغير المتناسب للقوة في قطاع غزة.

هل يمكن لكما قراءة ذلك على أنه تحول عام في التوجهات اتجاه إسرائيل؟

- أيلان بابي: يشير المثالان إلى تحول يعتد به في الرأي العام وفي المجتمع المدني. ومع ذلك، ظلت المشكلة على ما كانت عليه خلال السنوات الستين الأخيرة: إن هذه الإرهاصات والطاقات لا تتم ترجمتها، وليس من المرجح أن تتم ترجمتها في المستقبل القريب إلى سياسات فعلية على الأرض. وبهذا، تكون الطريقة الوحيدة لتعزيز هذا التحول من الدعم من الأسفل إلى سياسات فعلية، هي عن طريق تطوير فكرة العقوبات الاقتصادية والمقاطعة والحظر. حيث يمكن لذلك أن يعطي توجهاً ووجهة واضحة للكثير من الأفراد والمنظمات غير الحكومية التي عبرت طوال سنوات عن تضامنها مع القضية الفلسطينية.

** ناعوم تشومسكي: لقد حدث تحول شديد الوضوح في السنوات الأخيرة، سواء في حرم الجامعات الأميركية أو في الجماهير العامة. لم يكن قبل وقت طويل أن كانت حماية الشرطة سمة مصاحبة للأحاديث التي تنتقد السياسات الإسرائيلية، وكانت الاجتماعات تقاطع وتفض، وكان الجمهور عدائياً وسيئ السلوك. أما الآن، فقد تغير الوضع بشكل حاد، مع استثناءات متفرقة. وغالباً ما أصبح المنافحون عن العنف الإسرائيلي وهم يميلون الآن إلى أن يكونوا على خط الدفاع ويائسين أكثر من كونهم متغطرسين ومتعالين. لكن انتقاد السلوكيات الإسرائيلية ما يزال غير كثيف لأن الحقائق الأساسية عادة ما يتم طمسها بشكل منجٍ. وهذا صحيح بشكل خاص فيما يتعلق بدور الولايات المتحدة الحاسم في حجب الخيارات الدبلوماسية، والغض من شأن الديمقراطية، ودعم برنامج إسرائيل المنهجي لتهميش إمكانية تحقيق تسوية سياسية وشيكة. لكن تصوير الولايات المتحدة على أنها "وسيط نزيه"، غير قادر بشكل ما على تحقيق أهدافه السامية، يظل خاصية، ليس في هذا الحقل فحسب.

* بارات: أصبحت كلمة "أبارتهيد" (الفصل العنصري) تستخدم بشكل متزايد من جهة المنظمات غير الحكومية ومنظمات الرعاية لوصف تصرفات إسرائيل تجاه الفلسطينيين (ليس في غزة، والمناطق الفلسطينية المحتلة فقط، وإنما داخل إسرائيل نفسها). هل تعتقدان بأن الوضع في فلسطين وإسرائيل قابل للمقارنة مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا؟

- أيلان بابي: ثمة تشابهات وفروقات. إن للتاريخ الكولنيالي الكثير من الفصول المشتركة، ويمكن العثور على بعض سمات الفصل العنصري في السياسات الإسرائيلية تجاه الأقلية الفلسطينية فيها نفسها واتجاه أولئك الذين يعيشون في المناطق المحتلة. لكن هناك بعض العناصر في الاحتلال، والتي تبقى مع ذلك أسوأ من واقع الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وبعض العناصر في حياة الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، ليست بنفس السوء الذي كانت عليه الأمور في حقبة نظام الفصل العنصري. أما نقطة المقارنة الرئيسة التي تخطر ببالي فهي الإلهام السياسي. كان على حركة مناهضة الفصل العنصري، والمؤتمر الوطني الإفريقي، وشبكات التضامن التي تطورت خلال السنوات في الغرب، أن تكون مصدر إلهام لحملة مؤيدة للفلسطينيين تكون أكثر تركيزاً. وهذا هو السبب في أن هناك حاجة إلى تعلم تاريخ الصراع ضد الفصل العنصري أكثر من مجرد المراوحة لوقت طويل عند مقارنة نظامي الصهيونية والفصل العنصري.

** ناعوم تشومسكي: لا يمكن إيجاد إجابة محددة على مثل هذه الأسئلة. هناك تشابهات وفروقات. في داخل إسرائيل نفسها، هناك تميز جدي، لكنه بعيد جداً عن الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. أما في المناطق المحتلة، فإنها قصة أخرى. عام 1997، كنت قد ألقيت خطاباً تقديمياً في جامعة بن غوريون في مؤتمر بمناسبة ذكرى حرب 1967. وقرأت فقرة من التاريخ المعياري لجنوب إفريقيا. ولم تكن هناك ضرورة لأي تعليق.

إذا ما نظرنا إلى الأمر بمزيد من القرب، فإن الوضع في المناطق المحتلة يختلف بعدة طرق عن الفصل العنصري. في بعض الأوجه، كان نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا أكثر شراسة من الممارسات الإسرائيلية. وفي أوجه أخرى، كان العكس هو الصحيح. أحد الأمثلة على ذلك هو أن جنوب إفريقيا البيضاء كانت تعتمد بكثافة على العمالة السوداء. ولم يمكن طرد الغالبية العظمى من السكان. قد اعتمدت إسرائيل ذات مرة على العمالة الفلسطينية الرخيصة التي يسهل استغلالها، لكنها جرى استبدالها منذ وقت طويل ببائسي الأرض من آسيا وشرق أوروبا وأماكن أخرى. وربما كان الإسرائيليون على الأرجح قد أطلقوا تنهيدة ارتياح لو اختفى الفلسطينيون. وليس سراً أن السياسات التي اتخذت شكلاً تتناغم جيداً مع توصيبات موشيه دايان مباشرة بعد حرب 1967: إن الفلسطينيين سوف "يستمرون في العيش مثل الكلاب، ويستطيع من يرغب منهم الرحيل". وثمة توصيات أكثر تطرفاً كان قد أطلقها إنسانويون رفيعو المكانة من اليسار في الولايات المتحدة، مثلاً، مايكل فولتزر Michael Walzer من معهد الدراسات المتقدمة في برنسيتون ومحرر المجلة الديمقراطية الاشتراكية "ديسنت" Dissent، الذي نصح قبل 35 سنة أنه بما أن الفلسطينيين يظلون "هامشيين في الدولة"، فإنه تجب "مساعدتهم" على الرحيل. وكان يشير إلى الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل نفسها، وهو موقف جعله مألوفاً مؤخراً اليميني المفرط في التطرف أفيغدور ليبرمان Avigdor Liberman، والذي التقطه التيار الإسرائيلي السائد مؤخراً. وأنا أضع هنا جانباً أولئك المتشددين الحقيقيين، مثل أستاذ القانون في جامعة هارفارد، البروفيسور ألان ديرشوفيتز Alan Dershowitz، الذي يعلن أن إسرائيل لا تقتل المدنيين أبداً، وإنما الإرهابيين فقط، وبحيث يصبح تعريف "الإرهابي" هو "من تقتله إسرائيل"؛ ويجب أن تهدف إسرائيل إلى معدل قتل يساوي 1000 إلى صفر، ما يعني "استئصال الوحوش" كليّة. وليس شأناً قليل الأهمية أن معتنقي هذه الآراء يعاملون باحترام في الدوائر المتنورة في الولايات المتحدة، بل في الغرب في الحقيقة. ويمكن للمرء تخيل ردة الفعل لو كانت مثل هذه التعليقات قد صدرت بحق اليهود.

لدى التحقيق، أكرر، لا يمكن العثور على إجابة واضحة حول ما إذا كان التشبيه مناسباً.

* برات: قالت إسرائيل مؤخراً إنها سوف تقاطع مؤتمر الأمم المتحدة عن حقوق الإنسان في ديربان لأنه "سيكون من المستحيل منع المؤتمر من التحول إلى مهرجان من الهجمات المضادة لإسرائيل"، كما ألغت اجتماعاً أيضاً مع المسؤولين من كوستاريكا حول قرار أمم أميركا الوسطى الاعتراف رسمياً بالدولة الفلسطينية. هل يمكن أن يفضي رفض إسرائيل للقبول بأي نوع من النقد يتوجه لسياساتها إلى ردة فعل عكسية؟

- أيلان بابي: يأمل المرء بأن يفضي ذلك إلى حدوث ردة فعل عكسية ذات يوم. ومع ذلك، فإن هذا يعتمد على موازين القوى العالمية والإقليمية، وليس فقد على رد الفعل الإسرائيلي المفرط. يمكن للأمرين، أعني ميزان القوى والتعنت الإسرائيلي أن يتداخلا مستقبلاً. وإذا ما كانت هناك فرصة في السياسة الأميركية، أو في دورها المهيمن في سياسات المنطقة، فإنه يمكن آنئذ للتصلب الإسرائيلي المستمر أن يشجع المجتمع الدولي على تبني موقف أكثر انتقاداً ضد إسرائيل وممارسة ضغط على الدولة اليهودية لإنهاء احتلالها لفلسطين وتشريد مواطنيها.

** ناعوم تشومسكي: يمكن للمرء أن يتفق أو أن يختلف مع هذه القرارات، لكنها لا تتضمن "رفضي القبول بأي نوع من النقد تجاه سياساتها". إنني أشك بأن تلك القرارات بالذات ستجلب رد فعل عكسيا، بل وحتى أن تحظى بالكثير من الملاحظة.

* بارات: كيف يمكن لإسرائيل أن تتوصل إلى تسوية مع منظمة تعلن أنها لن تعترف أبداً بإسرائيل، والتي يدعو ميثاقها إلى تدمير الدولة اليهودية؟ وإذا ما كانت حماس تريد تسوية فعلاً، فلماذا لا تعترف بإسرائيل؟

- أيلان بابي: إن السلام يُصنع بين الأعداء وليس بين الأحباب. ويمكن أن تكون نتيجة العملية السلمية اعترافاً سياسياً إسلامياً بمكان اليهود في فلسطين والشرق الأوسط ككل، سواء في دولة مستقلة أو دولة مشتركة. وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد دخلت المفاوضات مع إسرائيل دون تغيير ميثاقها، والذي لا ينطوي على فرق يعتد به فيما يخص النظرة إلى إسرائيل. وهكذا، فإن البحث ينبغي أن يتم عن نص، وحل وهيكل سياسي يكون شاملاً - والذي يمكن كافة الجماعات القومية والعرقية والدينية والإيديولوجية من التعايش.

** ناعوم تشومسكي: لا تستطيع حماس الاعتراف بإسرائيل بأكثر مما يستطيع كاديما الاعتراف بفلسطين، أو بأكثر مما يستطيع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة الاعتراف بإنجلترا. ويمكن للمرء أن يسأل عما إذا كان ينبغي على حكومة تقودها حماس أن تعترف بإسرائيل، أو إذا كان ينبغي لحكومة يقودها كاديما أو الحزب الديمقراطي أن تعترف بفلسطين. حتى الآن، رفض هؤلاء جميعاً القيام بذلك، حتى ولو أن حماس دعت على الأقل إلى حل دولتين متوافق مع الإجماع الدولي القائم منذ أمد طويل، بينما رفض كاديما والحزب الديمقراطي الذهاب إلى ذلك الشأو، ملتزمين بنزعة الرفض التي احتفظت بها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل لأكثر من ثلاثين سنة في عزلة دولية. أما بخصوص الكلمات، وعندما يصرح رئيس الوزراء أيهود أولمرت لجلسة مشتركة للكونغرس الأميركي بأنه يعتقد "بحق شعبنا الأزلي والتاريخ بهذه الأرض بكاملها"، ويثير الإعجاب والتصفيق، فإنه ربما يشير بذلك ليس لفلسطين من النهر إلى البحر فقط، وإنما أيضاً إلى الجانب الآخر من نهر الأردن، وهو الزعم التاريخي لحزب الليكود بأن ذلك كان وطنه السياسي، وهو زعم لم يتم التخلي عنه رسمياً أبداً، فيما أعلم. أما حماس، فإنني أعتقد بأن عليها التخلي عن تلك المواد في ميثاقها، وينبغي أن تنتقل من حل الدولتين إلى الاعتراف المتبادل، ولو أننا ينبغي أن نبقي في الذهن أن مواقفها تظل أكثر قابلية للتقدم من مواقف الولايات المتحدة وإسرائيل.

بارات: خلال الأشهر القليلة الأخيرة، ركزت إسرائيل هجماتها على غزة، وهي تتحدث عن غزو بري وشيك. وهناك أيضاً احتمال قوي في أنها متورطة في مقتل قائد حزب الله مغنية، وهي تضغط من أجل فرض عقوبات أكثر شدة (بما فيها عقوبات عسكرية) ضد إيران. هل تعتقدان بأن شهية إسرائيل للحرب يمكن أن تفضي بالتالي إلى تدميرها لذاتها؟

- أيلان بابي: نعم، أعتقد بأن النزعة العدائية تتصاعد، وأن إسرائيل لا تستعدي العالم الفلسطيني وحده، وإنما العالمين العربي والإسلامي أيضاً. إن ميزان القوى العسكري في الوقت الراهن هو لصالح إسرائيل، لكن هذا يمكن أن يتغير في أية لحظة، خاصة بمجرد أن تسحب الولايات المتحدة دعمها.

** ناعوم تشومسكي: كنت قد كتبت قبل عقود أن أولئك الذين يدعون أنفسهم "مؤيدي إسرائيل" هم في الحقيقة داعمون لانحدارها الأخلاقي ودمارها النهائي الممكن. كما اعتقدت أيضاً لسنوات بأن اختيار إسرائيل شديد الوضوح للتوسع وتفضيله على الأمن، منذ رفضت عرض السادات بتوقيع معاهدة سلام كامل عام 1971، ربما تفضي بدورها أيضاً إلى تلك النتيجة.

* بارات: ماذا سيكلف الولايات المتحدة أن تسحب دعمها غير المشروط لإسرائيل؟

- أيلان بابي: خارجياً: انهيار في سياستها الشرق أوسطية، خاصة من خلال سقوط واحد من حلفائها. أما البديل، ولو أنه أقل احتمالاً للحدوث، فهو ظهور سياسة أوروبية موازية. وداخلياً: أزمة اقتصادية رئيسة ونجاح تحالف القوى الراهن الذي يعمل في المجتمع المدني في التأثير على مثل هذا التغيير.

** ناعوم تشومسكي: للإجابة عن ذلك، علينا تأمل مصادر الدعم. إن القطاع المشترك في الولايات المتحدة، والذي يسيطر على تشكيل السياسة، يظهر أنه قانع تماماً بالوضع الراهن. ولعل إحدى المؤشرات على ذلك هي التدفق المتزايد في الاستثمارات إلى إسرائيل من جهة شركات "إنتل"، "هاوليت-باكارد"، "ميكروسوفت"، ومكونات رائدة أخرى في اقتصاد التقنيات العالية. وتبقى العلاقات العسكرية والاستخبارية بدورها قوية جداً. ومنذ عام 1967، وقع المثقفون الأميركيون بعلاقة غرام مع إسرائيل، لأسباب تتصل بالولايات المتحدة أكثر من إسرائيل حسب رأيي. ويؤثر هذا بقوة على تصوير الأحداث والتاريخ في الإعلام والمجلات. إن الفلسطينيين ضعفاء، ممزقون، وبلا أصدقاء ولا يعرضون شيئاً لتركزات النفوذ في الولايات المتحدة. وتؤيد أغلبية من الأميركيين الإجماع الدولي بخصوص حل يقوم على دولتين، بل إنهم يؤيدون مساواة المساعدات التي تقدم لإسرائيل والفلسطينيين. وفي هذا الأمر، كما في أمور أخرى، يقف الحزبان السياسيان ليصطفا في مكان قصي إلى يمين الجمهور. يعتقد 95% من سكان الولايات المتحدة بأن الحكومة يجب أن تولي اهتماماً بوجهات نظر الجمهور، وهو موقف جرى رفضه من قبل كامل طيف النخبة (أحياناً بشكل شديد الوضوح، وأحياناً بشكل ضمني). وبهذا، ربما تكون إحدى الخطوات باتجاه نهج أكثر نزاهة هي "تعزيز للديمقراطية" في داخل الولايات المتحدة نفسها. وبعيداً عن تحقيق ذلك، فإن الأمر يحتاج أحداثا تفضي إلى إعادة احتساب المصالح في أوساط قطاعات النخبة.

* بارات: نشرت "كاونتربنتش" مؤخراً حواراً مثيراً للاهتمام حول حل دولة واحدة مقابل حل الدولتين في الشهر الماضي. وبدأت بمقالة مايكل نيومان Michael Nwumann التي قالت "إن حل الدولة الواحدة كان وهماً"، وتبعتها مقالة من عساف كفوري Assaf Kfoury تحت عنوان "دولة واحدة أم دولتان؟" - حوار عقيم حول بدائل زائفة"، ومقالة لجوناثان كوك Jonathan Cook بعنوان: "دولة واحدة أم اثنتان، ليس أياً منهما، القضية هي الصهيونية". ما هو رأيكم حول هذا، وهل تعتقدان بأن حل الدولتين ما يزال ممكناً على ضوء "الحقائق على الأرض" (المستوطنات، والطرق الالتفافية...) التي صنعها الإسرائيليون؟

- أيلان بابي: لقد جعلت الحقائق على الأرض من حل الدولتين أمراً مستحيلاً منذ وقت طويل. وتضمنت الحقائق أنها لم تكن هناك أبداً، ولن تكون هناك مطلقاً قبول إسرائيل بدولة فلسطينية عدا عن دولة بلا دولة ضمن اثنين من البانتوستانات في الضفة الغربية وغزة، يكونان خاضعين كلية للسيطرة الإسرائيلية. ثمة دولة واحدة قائمة أصلاً والصراع قائم من أجل تغيير طبيعتها ونظامها. أما إذا ما كان النظام الجديد والقواعد الدستورية ستكون ثنائية القومية أو ديمقراطية، بل وربما كلاهما معاً، فإن ذلك يظل أقل أهمية عند هذه النقطة. وأي ترتيبات سياسية ربما تحل محل الحالة العنصرية الراهنة من الأمور هي محل ترحيب. وينبغي لأي ترتيبات من هذا النوع أن تمكن اللاجئين من العودة، وحتى لأكثر المهاجرين جدة بالبقاء.

** ناعوم تشومسكي: علينا أن نميز بين الأطروحة والدفاع. يمكننا افتراض أن الجميع ينبغي أن يعيشوا بسلام. لكن المسألة تصبح دفاعاً عن الأطروحة عندما نرسم طريقاً واقعياً من هنا إلى هناك. إن حل الدولة الواحدة يبدو معقولاً قليلاً، ولكن دولة ثنائية القومية يبدو معقولاً في رأيي. كان بالوسع الدفاع عن مثل هذه التسوية منذ عام 1967 حتى أواسط السبعينيات، وقد فعلت ذلك في الحقيقة، في العديد من الكتابات والأحاديث، بما في ذلك كتابي. وكان رد الفعل يشبه الغضب الضاري. وبعد أن دخلت الحقوق الوطنية الفلسطينية إلى الأجندة الدولية في أواسط السبعينيات، ظل الدفاع ممكناً عن فكرة ثنائية القومية (وأنا مستمر بفعل ذلك)، ولكن كعملية تمر بمراحل وسيطة، على أن تكون الأولى تسوية بدولتين بالتوافق مع الإجماع الدولي. ذلك الحاصل، والذي ربما يكون الأفضل الذي يمكن استشرافه على المدى القصير، كان يمكن التوصل إليه في مفاوضات طابا في كانون الثاني عام 2001، ووفقاً للمشاركين، كان يمكن التوصل إليه لو لم يتم وقف المفاوضات قبل نضجها على يد رئيس الوزراء باراك. كانت تلك هي اللحظة الوحيدة في الثلاثين سنة الماضية، والتي تأملت فيها الدولتان الرافضتان الرائدتان لوهلة الالتحاق بالإجماع الدولي، والمرة الوحيدة التي بدا فيها الحل الدبلوماسي في مجال الرؤية. لقد تغير الكثير منذ عام 2001، لكنني لا أرى أي سبب للاعتقاد بأن ما كان واضحاً أنه في المتناول آنئذ قد أصبح مستحيلاً اليوم.

إنه من المثير لبعض الاهتمام، بل ومما يشكل مؤشراً هاماً، أن الاقتراحات حول "حل الدولة الواحدة" بات يجري التسامح معها في إطار التيار السائد راهناً، على عكس الفترة التي كان فيها الدفاع متاحاً وكانت تلك الأفكار ممنوعة ومحرمة. واليوم، أصبحت تنشر في "نيويورك تايمز" و"نيويورك ريفيو أف بوكس" وأماكن أخرى. ويمكن للمرء أن يستنتج فقط أنها قد أصبحت مقبولة اليوم لأنها غير ملائمة ولا عملية بالمطلق –إنها تظل مجرد أطروحة، وليس دفاعاً عن الأطروحة. وفي الممارسة، تقدم الاقتراحات والأطروحات دعماً لنزعة الرفض الأميركية -الإسرائيلية، وتقلل من شأن الدفاع الممكن الوحيد عن دولة ثنائية القومية، على مراحل.

هناك اليوم خياران أمام الفلسطينيين. أولهما هو التجاهل الأميركي -الإسرائيلي لمواقف الرفض لديهما، وتسوية تدور تقريباً حول ما كانت قد تمت مقاربته في طابا. أما الخيار الثاني فهو الاستمرار في السياسات الحالية، والذي يفضي على نحو حتمي إلى ضم ما تريده إسرائيل إليها: على الأقل، القدس الكبرى ومناطق داخل جدار الفصل (الآن حاجز الضم)، ونهر الأردن والزوائد الملحقة بمستوطنات معاليه أدوميم وآرئيل وما وراء ذلك، وهو ما يقسم بفعالية ما تبقى إلى ثلاثة أقسام، والذي سيكون مقسوماً إلى كانتونات غير قابلة للحياة عن طريق مشروعات بنى تحتية ضخمة، والمئات من نقاط التفتيش، ووسائل أخرى تضمن أن يعيش الفلسطينيون عيشة الكلاب.

هناك أولئك ممن يعتقدون بأن على الفلسطينيين ببساطة أن يدعوا إسرائيل تأخذ الضفة الغربية بالكامل، ثم يتم القيام بحملة حقوق مدنية مناهضة للتمييز العنصري على غرار النضال في جنوب إفريقيا. لكن ذلك يظل وهماً، مع ذلك. ليس هناك من سبب ربما يجعل أميركا - إسرائيل تقبلان بفرضية الأطروحة. إنهما ستستمران ببساطة على نفس الخطوط التي يجري تطبيقها راهناً، ولن تقبلا بتحمل أي مسؤولية عن الفلسطينيين المتشظين والمتفرقين خارج المناطق التي ينوون دمجها مع إسرائيل.

* بارات: خلال زيارتي الأخيرة لإسرائيل/ فلسطين، أصبح واضحاً لدي (بعد التحدث إلى الناس، وقراءة الصحف، ومشاهدة الأخبار) أن ثمة شيئاً يخيف إسرائيل كثيراً: مقاطعة. هل تفضلان مثل هذا النوع من النشاطات وهل تعتقدان بأنها يمكن أن تتمخض عن شيء.

- أيلان بابي: نعم أفضل ذلك، وأعتقد فعلاً بأن لها فرصة لقدح زناد عمليات التغيير على الأرض.

** ناعوم تشومسكي: عمليات المقاطعة كثيراً ما تكون مقبولة منطقياً. على سبيل المثال، تلك النشاطات ضد جنوب إفريقيا كانت فعالة، حتى ولو أن إدارة ريغان كانت قد تجنبت فرض عقوبات من جهة الكونغرس بينما أعلنت عن حزب المؤتمر الإفريقي بقيادة مانديلا أنه واحد من "أكثر الجماعات الإرهابية سوءاً في السمعة" في العالم (عام 1988). كانت تلك النشاطات فعالة لأن الأرضية كانت قد أرسيت في سنوات عديدة من التعليم والعمل النشط. وعندما حل الوقت الذي تم تطبيقها فيه، حظيت بدعم استثنائي في الولايات المتحدة في داخل النظام السياسي، والإعلام، وحتى في قطاع الشركات. لكن شيئاً يقترب من ذلك لم يتحقق أبداً في هذه الحالة. ونتيجة لذلك، فإن الدعوات للمقاطعة تجلب نتائج عكسية دون استثناء تقريباً، معززة أكثر السياسات قسوة ووحشية ضد الفلسطينيين.

المقاطعات الانتقائية، والمشكلة بعناية، ربما يكون لها بعض التأثير. على سبيل المثال، مقاطعة المنتجين العسكريين الذين يزودون إسرائيل بالأسلحة، أو شركة "كاتربلر" التي تزودها بالمعدات اللازمة لتدمير فلسطين. إن سلوكات هؤلاء جميعها غير قانونية أبداً، ويمكن جعل المقاطعات تبدو مفهومة للجمهور العام، وبحيث يمكن أن تكون فعالة.

يمكن للمقاطعات الانتقائية أيضاً أن تكون فعالة ضد دول ذات سجلات أسوأ بكثير في العنف والإرهاب من إسرائيل، مثل الولايات المتحدة نفسها. وبالطبع، ومن دون دعمها الصارم ومشاركتها، فإن إسرائيل لا تستطيع تنفيذ التوسع غير القانوني والجرائم الأخرى. ليست هناك دعوات لمقاطعة الولايات المتحدة، ليس لأسباب تتعلق بالمبدأ، ولكن لأنها شديدة القوة بكل بساطة - وهي حقائق تثير بعض الأسئلة الواضحة حول المشروعية الأخلاقية للسلوكيات التي تستهدف عملاءها.

* بارات: لدى عودته من إسرائيل/ فلسطين قبل بضعة أسابيع، قال مدير اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل، فرع المملكة المتحدة (ICAHD U.K) إنه على الرغم من أنابوليس، فإن "شيئاً واحداً على الأرض لم يتحسن (...) وقد تركني تهويد إسرائيل للبلاد مع الشعور بالبرد والغضب". بينما ترى ذلك، هل يمكن للمقاومة الفلسطينية (والتي بقيت غير عنيفة بشكل رئيس حتى الآن) أن تعود إلى الكفاح المسلح وتبدأ الانتفاضة الثالثة الأكثر قسوة وعنفاً؟

- أيلان بابي: من الصعب فهم تلك الـ"ربما"- نظرياً يستطيعون ذلك وربما يفعلونه. لكن السؤال يبقى إذا ما كان ذلك سيفرز نتائج مختلفة عن الانتفاضات السابقة. والشعور هو أنه من غير المرجح أن يفعل ذلك.

** ناعوم تشومسكي: إن رأيي على طول الخط كان أن القيادة الفلسطينية تقدم لإسرائيل وداعميها الأميركيين هدية عظيمة باللجوء إلى العنف والتحدث عن الثورة - وهو ما يظل بعيداً تماماً عن حقيقة اللجوء إلى العنف - بوضع الاعتبارات التكتيكية جانباً - يحمل عبئاً ثقيلاً جداً من التسويغ. اليوم، على سبيل المثال، لا يوجد ما هو أكثر ترحيباً للصقور الإسرائيليين والأميركيين أكثر من صواريخ القسام، التي تمكنهم من الضحك بجذل عن كيف أن معدل الوفيات يمكن زيادته بلا نهاية (حيث يمكن تعريف كل الضحايا على أنهم "إرهابيون"). كما وافقت دائماً وعلى طول الخط مع الأصدقاء الشخصيين الذين يمتلكون اتصالات مع القيادة الفلسطينية (خاصة إدوارد سعيد وإقبال أحمد)، على أن نضالاً غير عنيف ربما كان ليحوز على آفاق يعتد بها للنجاح. وأعتقد بأنه مايزال كذلك، بل إنها الآفاق الوحيدة المتاحة لإحراز النجاح.

*بارات: ما الذي ينبغي أن تركز عليه المنظمات غير الحكومية والمنظمات الخيرية في فلسطين في الأشهر القليلة القادمة؟

- أيلان بابي: إنهم يعرفون الأفضل وأنا متردد في إسداء النصح لهم. أعتقد بأنهم قد أرشدونا بدعوتهم إلى مقاطعة، وإذا ما استمروا في طرح مبادرات مثل هذه، فإنه يمكن لذلك أن يكون مفيداً جداً. لكنه سيكون رائعاً وهاماً بشكل خاص إذا ما استطاعوا الاستمرار في العمل على تحقيق المصالحة والوحدة في المعسكر الفلسطيني.

** ناعوم تشومسكي: إن المهمة اليومية والملحة هي التركيز على الانتهاك الهائل والمستمر لأكثر الحقوق الإنسانية أساسية والاستيطان غير المشروع المدعوم أميركياً وتطوير المشاريع المصممة لسد الطريق على إقرار حل دبلوماسي. وهناك مهمة أكثر عمومية، هي محاولة إرساء القواعد لخوض نضال من أجل إنجاز تسوية تأخذ بعين الاعتبار المطالب العادلة للفرقاء - من نوع العمل التثقيفي والمنظم المجتهد والمخلص، الذي كان قد وضع الأسس لتحقيق تقدم في مجالات أخرى باتجاه السلام والعدل. وكنت قد أشرت سابقاً إلى ما أعتقد بما يتضمنه ذلك - وليس أقله، التعزيز الفعال للديمقراطية في القوة العظمى المهيمنة.

*فرانك بارات Frank Barat: يعيش في لندن. وهو عضو في حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني في لندن وفي اللجنة الإسرائيلية ضد هدم المنازل - المملكة المتحدة

0 Comment(s):